محمد متولي الشعراوي
10768
تفسير الشعراوي
وينتهي تهديد سليمان للهدهد بقوله { أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ } [ النمل : 21 ] أي : حجة واضحة تبرر غيابه ، فنفهم من الآية أن المرؤوس يحوز له أنْ يتصرف برأيه ، ودون أن يأخذ الإذن من رئيسه إنْ رأى مصلحة للجماعة لا تستدعي التأخير . وعلى الرئيس عندها أن يُقدِّر لمرؤوسيه اجتهاده ، ويلتمس له عذراً ، فلعله عنده حجة أحمده عليها بل وأكافئه ؛ لأن وقت فراغه مني كان في مصلحة عامة ، كما نقول في العامية ( الغايب حجته معاه ) . إذن : المرؤوس إنْ رأى خيراً يخدم الفكر العام ، ووجد أن فرصته ضيقة يسمح له بالتصرف دون إذن ، وفي الحرب العالمية الأولى تصرّف أحد القادة الألمان تصرُّفاً يخالف القواعد الحربية ، لكنه كان سبباً في النصر ؛ لذلك أعطوه وسام النصر ولم ينسُوا أنْ يُعاقبوه على مخالفة القواعد والقانون . ثم يقول الحق سبحانه : { فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ } معنى { فَمَكَثَ } [ النمل : 22 ] أقام واستقر { غَيْرَ بَعِيدٍ } [ النمل : 22 ] مدة يسيرة ، فلم يتأخر كثيراً ؛ لأنه يعلم أنه تخلّف عن مجلس سليمان ، وذهب بدون إذنه ؛ لذلك تعجَّل العودة ، وما إنْ وصل إليه إلا وبادره { فَقَالَ } [ النمل : 22 ] بالفاء الدالة على التعقيب ؛ لأنه رأى سليمان غاضباً مُتحفِّزاً لمعاقبته .