محمد متولي الشعراوي

10769

تفسير الشعراوي

لذلك بادره قبل أنْ ينطق ، وقبل أنْ ينهره { أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ } [ النمل : 22 ] أي : عرفتُ ما لم تعرف هذا الكلام مُوجَّه إلى سليمان الذي ملَك الدنيا كلها ، وسخَّر الله له كل شيء ؛ لذلك ذُهل سليمان من مقالة الهدهد وتشوَّق إلى ما عنده من أخبار لا يعرفها هو . ثم يستمر الهدهد : { وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ } [ النمل : 22 ] . أولاً : نقف عند جمال التعبير في سبأ ونبأ ، فبينهما جناس ناقص ، وهو من المحسّنات البديعية في لغتنا ، ويعطي للعبارة نغمة جميلة تتوافق مع المعنى المراد ، والجناس أن تتفق الكلمتان في الحروف ، وتختلفا في المعنى ، كما في قول الشاعر : رَحَلْتُ عَنِ الدِّيَارِ لكُم أَسِيرُ . . . وَقَلْبي في محبتكُمْ أَسير وقَوْل الآخر : لَمْ يَقْضِ مِنْ حقِّكم عَليَّ . . . بَعْضَ الذي يَجِبُ قَلْبٌ متَى مَا جَرَت . . . ذِكْرَاكُمُ يَجِبُ ومن الجناس التام في القرآن الكريم : { وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يُقْسِمُ المجرمون مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ } [ الروم : 55 ] . فالتعبير القرآني { وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ } [ النمل : 22 ] تعبير جميل لفظاً ، دقيق مَعنىً ، أَلاَ تراه لو قال ( وجئتك من سبأ بخبر ) لا ختلَّ اللفظ والمعنى معاً ؛ لأن الخبر يُرَاد به مُطلْق الخبر ، أمّا النبأ فلا تُقال إلا للخبر العجيب الهام الملفت للنظر ، كما في قوله تعالى : { عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ عَنِ النبأ العظيم } [ النبأ : 12 ] . والجناس لا يكون جميلاً مؤثراً إلا إذا جاء طبيعياً غير مُتكلّف ،