محمد متولي الشعراوي

10764

تفسير الشعراوي

وقوله { فِي عِبَادِكَ الصالحين } [ النمل : 19 ] دليل على تواضع سيدنا سليمان عليه السلام فمع مكانته ومنزلته يطلب أنْ يُدخِله الله في الصالحين ، وأن يجعله في زمرتهم ، فلم يجعل لنفسه مَيْزةً ولا صدارة ولا أدَّعى خيرية على غيره من عباد الله ، مع ما أعطاه الله من الملْك الذي لا ينبغي لأحد من بعده . وأعطاه النبوة وحمَّله المنهج ، فلم يُورثه شيء من هذا غروراً ولا تعالياً ، وها هو يطلب من ربه أن يكون ضمن عباده الصالحين ، كما نقول ( زقني مع الجماعة دول ) ، حين تكون السيارة مثلاً كاملة العدد ، وليس لي مقعد أجلس عليه . مَنْ يقول هذا الكلام ؟ إنه سليمان بن داود عليهما السلام الذي آتاه الله مُلْكاً ، لا ينبغي لأحد من بعده ، ومن ذلك كان يُؤثِر عبيده وجنوده على نفسه ، وكان يأكل ( الردة ) من الدقيق ، ويترك النقي منه لرعيته . إذن : لم ينتفع من هذا الملْك بشيء ، ولم يصنع لنفسه شيئاً من مظاهر هذا الملك ، إنما صنعه له ربه لأنه كان في عَوْن عباد الله ، فكان الله في عَوْنه ، وأنت حين تُعين أخاك تُعينه بقدرتك وإمكاناتك المحدودة ، أما معونة الله تعالى فتأتي على قَدْر قوته تعالى ، وقدرته وإمكاناته التي لا حدودَ لها ، إذن : فأنت الرابح في هذه الصفقة . مادة : فقد الفاء والقاف والدال ، وكل ما يُشتقّ منها تأتي بمعنى ضاع منه الشيء ، ومنه قوله تعالى في قصة إخوة يوسف : { قَالُواْ