محمد متولي الشعراوي

10754

تفسير الشعراوي

وهذا يدل على أن سليمان جاء بعد داود ، وقد ورث عنه النبوة مع أنهما متعاصران ، بدليل قوله تعالى في موضع آخر : { وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الحرث إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القوم وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ } [ الأنبياء : 78 ] . إذن : كان سليمان مع داود في هذه الحكومة وفي العلم ، لكن الحق سبحانه جعل العلم منازل ، بدليل أنه قال : { فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ } [ الأنبياء : 79 ] مع أن أباه موجود ، وحكم في القضية بأن يأخذ صاحبُ الزرع الغنم التي أكلت . فلما خرجوا من عند داود سألهم سليمان عن حكم أبيه ، فأخبروه بما قال ، فقال سليمان : بل يأخذ صاحب الزرع الغنم ينتفع بها ، ويأخذ صاحب الغنم الزرع يصلحه حتى يعود كما كان ، وعندها يأخذ صاحب الغنم غنمه ، وصاحب الزرع زرعه . والحق تبارك وتعالى يعطينا هذا المثل مع نبي وأبيه ، لا مع نبيين مختلفين بعيدين ، وفي هذا إشارة أن حقّ الأبوة على سليمان لم يمنعه من مخالفة أبيه في الحكم ؛ لأن الله تعالى قال عنهما { وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً } [ الأنبياء : 79 ] فكلٌّ منهما يحكم على مقتضى علمه الذي منحه الله . ومن هذه الحادثة أخذنا مشروعية الاستئناف والنقض وفي أحكام المحاكم ، فقاضي الاستئناف حينما يُعدِّل في حكم القاضي الابتدائي لا يُعَدُّ هذا طعْناً فيه ، إنما كل منهما حكم بناءً على علمه ، وعلى