محمد متولي الشعراوي

10320

تفسير الشعراوي

ولما رأى كفار قريش ما صنعه الأنصار مع المهاجرين توقَّدوا ناراً : كيف يعيش المهاجرون في المدينة هذه العيشة الهنية وتكتلوا جميعاً ضد هذا الدين ليضربوه عن قَوْس واحدة ، وتآمروا على القدوة ليقضوا على هذا الدين الوليد الذي يشكل أعظم الخطر عليهم . حتى إن الأمر قد بلغ بالمهاجرين والأنصار أنهم لا يبيتون إلا بالسلاح ، ولا يصبحون إلا بالسلاح مخافةَ إنْ ينقضَّ عليهم أعداؤهم ، حتى إن أحد الصحابة يقول لإخوانه : أتروْنَ أنَّا نعيش حتى نأمن ونطمئن ولانبيت في السلاح ونصبح فيه ، ولا ننخشى إلا الله ؟ يعني : أهناك أمل في هذه الغاية ؟ وآخر يذهب إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول : يا رسول الله أبد الدهر نحن خائفون . ؟ ألاَ يأتينا يوم نضع فيه السلاح ونبيت آمنين ؟ فيقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بلسان الواثق من وعد ربه ، وليس كلاماً قد يُكذَّب فيما بعد : « لا تصبرون إلا يسيراً ، حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم مُحْتبياً ليست فيه حديدة » يعني : في الملأ الواسع ، والاحتباء جلسة المستريح الهانىء ، والحديدة كناية عن السلاح . وقد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : « إن الله زوى لي الأرض ، فرأيت مشارقها ومغاربها ، وسيبلغ مُلْك أمتي ما زُوِيَ لي منها » . ومعنى « إن الله زوى لي الأرض » معلوم أن للإنسان مجالَ رؤية يلتقي فيه إلى نهاية الأفق ، أمّا الأرض ذاتها فواسعة ، فُزويَتْ الأرض لرسول الله يعني : جُمعت في زاوية ، فصار ينظر إليها كلها .