محمد متولي الشعراوي
10319
تفسير الشعراوي
{ وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصالحات } [ النور : 55 ] قلنا : إن الإيمان الذي يقوم على صفاء الينبوع والعقيدة ليس مطلوباً لذاته ، إنما لا بُدَّ أن تكون له ثمرة ، وأن يُرى أثره طاعة وتنفيذاً لأوامر الله ، فطالما آمنتَ بالله فنفَّذ ما يأمرك به ، وهناك من الناس مَنْ يفعل الخير ، لكن ليس من منطلق إيماني مثل المنافقين الذين قال الله فيهم : { قَالَتِ الأعراب آمَنَّا } [ الحجرات : 14 ] فَردَّ الله عليهم : { قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ ولكن قولوا أَسْلَمْنَا } [ الحجرات : 14 ] يعني : خضعنا للأوامر ، لكن عن غير إيمان ، إذن : فقيمة الإيمان أن تُنفِّذ مطلوبه . ومن ذلك أيضاً قوله تعالى : { والعصر إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَتَوَاصَوْاْ بالحق وَتَوَاصَوْاْ بالصبر } [ العصر : 13 ] . فبماذا وعد الله الذين آمنوا ؟ { لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض } [ النور : 55 ] وهذه ليست جديدة ، فقد سبقهم أسلافهم الأوائل { كَمَا استخلف الذين مِن قَبْلِهِمْ } [ النور : 55 ] ، فاستخلاف الذين آمنوا ليس بدْعاً ، إنما هو أمر مُشاهد في مواكب الرسل والنبوة ومُشَاهد في المسلمين الأوائل من الصحابة الذين أُذوا وعُذِّبوا واضطهدوا وأُخْرِجوا من ديارهم وأولادهم وأموالهم ولم يُؤمَروا بردِّ العدوان . حتى إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حينما قدم المدينة في جَمْع من صحابته استقبله الأنصار بالحفاوة ، واحتضنوا هؤلاء المهاجرين ، وفعلوا معهم نموذجاًَ من الإيثار ليس له مثيل في تاريخ البشرية ، وهل هناك إيثار أعظم من أنْ يعرض الأنصاري زوجاته على المهاجر يقول : اختر إحداهما أُطلِّقها لك ، إلى هذه الدرجة فعل الإيمان بنفوس الأنصار .