محمد متولي الشعراوي

10701

تفسير الشعراوي

ثم يقول الحق سبحانه عن القرآن : { وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشياطين } لأنهم قالوا : إنما تنزَّلت الشياطين على محمد بالقرآن ، وكانوا يقولون ذلك لكل شاعر ماهر بشعره عندهم ، فلكل شاعر شيطان يُمليه الشِّعْر ، وعندهم وادٍ يُسمَّى وادي « عبقر » هو وادي الجن ، فيقولون : فلان عبقري أي : موصول بالجن في هذا الوادي . لكن ، كيف والكتاب نزل على محمد عدو للشياطين ، يلعنهم في كل مناسبة ، ويُحذِّر أتباعه منهم : { الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر وَيَأْمُرُكُم بالفحشآء } [ البقرة : 268 ] ويقول الحق سبحانه : { إِنَّ الشيطان لَكُمْ عَدُوٌّ فاتخذوه عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ السعير } [ فاطر : 6 ] . فكيف إذن يمده الشيطان ويُمليه عليه ، وهو عدوه ؟ ولماذا لم يأتكم وأنتم أحباءه ؟ هذه واحدة . الأخرى : { وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ } [ الشعراء : 211 ] إن الله جعل القرآن مُعْجزاً ومنهجاً ، والمعجزة لا يتسلَّط عليها إنس ولا جن فيفسدها ، لذلك قال سبحانه : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [ الحجر : 9 ] . أما الكتب السابقة فقد طلبتْ من المؤمنين بها أنْ يحفظوها ، وفَرْق بين الحفظ مني ، وطلب الحفظ منكم ؛ لأن الطلب تكليف وهو عُرْضة لأنْ يُطاع ولأنْ يُعصَى ، وقد جربنا حفظ البشر فلم يحافظوا على كتبهم السابقة ؛ لذلك تولّى الحق سبحانه وتعالى حِفْظ قرآنه