محمد متولي الشعراوي

10702

تفسير الشعراوي

بنفسه ، ولم يكِلْه إلى أحد من خَلْقه . لذلك تجد في هذا المجال كثيراً من العجائب والمفارقات ، فمع تقدُّم الزمن وطغيان الحضارات المعادية للإسلام ، والتي تُمطرنا كل يوم بوابل من الانحرافات والخروج عن تعاليم الدين ، ومِنّا مَنْ ينساق خلفهم ، وهذا كله ينقص من الأحكام المطبّقة من الإسلام . لكن مع هذا كله تجد القرآن يزداد توثيقاً ، ويزداد حفظاً ، ويتبارى حتى غير المسلمين في حِفْظ كتاب الله وتوثيقه ، والتجديد في طباعته ، حتى رأينا مصحفاً في ورقة واحدة ، ومصحفاً في حجم عقلة الإصبع ، ويفخر بعضهم الآن بأنه يملك أصغر مصحف في العالم . . إلخ بصرف النظر عن دوافعهم مِنْ وراء هذا . المهم أن الله تعالى يُسخِّر حتى أعداء القرآن لحِفْظ القرآن { وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذكرى لِلْبَشَرِ } [ المدثر : 31 ] . أليس من وسائل نَشْر القرآن والمحافظة عليه آلات التسجيل وآلات تكبير الصوت التي تنشر كلام الله في كل مكان ؟ ولم يَلْق شيءٌ من الكتب السابقة مثل هذه العناية . إذن : فالعناية بالقرآن كنصٍّ لا تتناسب مع النقص في أحكامه وانصراف أهله عنها ، وكأن الله عَزَّ وَجَلَّ يقول لنا : سأحفظ هذا النصِّ بغير المؤمنين به ، وسأجعلهم يُوثِّقونه ويهتمون به ؛ ليكون ذلك حجة عليكم . لذلك كان عند الألمان قبل الحرب العالمية خزانة بها أدراج ، في كل درج منها أية من القرآن ، يُحفظ به كل ما كُتب عن هذه الآية بدايةً من تفسير ابن عباس إلى وقتها ، وهذا دليل على أنهم مُسخَّرون بقوة خفية لا يقدر عليها إلا الله عَزَّ وَجَلَّ { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [ الحجر : 9 ] .