محمد متولي الشعراوي
10643
تفسير الشعراوي
ولم نجد منها حضارة بقيتْ من البداية إلى النهاية ، ولو بُنِيَتْ هذه الحضارات على قيم ثابتة لكان فيها المناعة ضد الزوال . وقوله تعالى : { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً } [ الشعراء : 139 ] أي : في إهلاك هذه الحضارة لأمر عظيم ، يُلفِت الأنظار ، ويدعو للتأمل : { وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ } [ الشعراء : 139 ] . قال { رَبَّكَ } [ الشعراء : 140 ] ولم يقُلْ ربهم ؛ لأن منزلة المربِّي تعظم في التربية بمقدار كمال المربِّي ، فكأنه تعالى يقول : أنا ربُّك الذي أكملت تربيتك على أحسن حال ، فَمنْ أراد أنْ يرى قدرة الربوبية فليرها في تربيتك أنت ، والمربَّى يبلغ القمة في التربية إنْ كان مَنْ ربَّاه عظيماً . لذلك يقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : « أدَّبني ربي فأحسن تأديبي » . إذن : فمن عظمة الحق تبارك وتعالى أنْ يُعطي نموذجاً لدقّة تربيته تعالى ولعظمة تكوينه ، ولما يصنعه على عَيْنه تعالى بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ، فكأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أكرمُ مخلوق مُربَّى في الأرض ؛ لذلك قال { رَبَّكَ } [ الشعراء : 140 ] ولم يقل : ربهم مع أن الكلام ما يزال مُتعلقاً بهم . وقوله تعالى : { لَهُوَ العزيز الرحيم } [ الشعراء : 140 ] العزيز قلنا : هو الذي يَغْلِب ولا يُغْلَب ، لكن لا تظن أن في هذه الصفة جبروتاً ؛ لأنه تعالى أيضاً رحيم ، ومن عظمة الأسلوب القرآني أن يجمع بين هاتين الصفتين : عزيز ورحيم وكأنه يشير لنا إلى مبدأ إسلامي يُربِّي