محمد متولي الشعراوي

10642

تفسير الشعراوي

وكانت السماء قبل محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ تجعل الرسول يُدلِي بمعجزته ، أو يقول بمنهجه ، لكن لا تطلب منه أن يُؤدِّب المعاندين والمعارضين له إنما تتولّى السماء عنه هذه المهمة فتُوقِع بالمكذبين عذابَ الاستئصال . وقد أُمِنَتْ أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من عذاب الاستئصال ، فمَنْ كفر برسالة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لا يأخذه الله كما أخذ المكذِّبين من الأمم السابقة ، إنما يقول سبحانه : { قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ } [ التوبة : 14 ] . وكملة { فَأَهْلَكْنَاهُمْ } [ الشعراء : 139 ] كلمة صادقة ، لها دليل في الوجود نراه شاخصاً ، كما يقول الحق سبحانه : { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ العماد التي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البلاد } [ الفجر : 68 ] . نعم ، كانت لهم حضارة بلغتْ القمة ، ولم يكُنْ لها مثيل ، ومع هذا كله ما استطاعت أنْ تصون نفسها ، وأخذها الله أَخْذ عزيز مقتدر . قال تعالى : { وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ وباليل أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } [ الصافات : 137138 ] . وقال : { فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظلموا } [ النمل : 52 ] . أي : أنها شاخصة أمامكم تروْنها وتمرُّون عليها ، وأنتم لم تبلغوا مبلغَ هذه الحضارة ، فإذا كانت حضارتهم لم تمنعهم من أَخْذ الله العزيز المقتدر ، فينبغي عليكم أنْ تتنبهوا إلى أنكم أضعف منهم ، وأن ما حاق بالكافرين وما نزل بالمكذِّبين ليس ببعيد عن أمثالهم من الأمم الأخرى . لذلك تجد الحضارات التي تُتوَارث في الكون كلها آلتْ إلى زوال ،