محمد متولي الشعراوي

10619

تفسير الشعراوي

ولما علم الصِّدِّيق بحادثة الإسراء والمعراج بادر بالتصديق ، ولم يتردد ، ولما سُئل عن ذلك قال : إننا نصدقه في الأمر يأتي من السماء فكيف لا نصدقه في هذه ، فإنْ كان قال فقد صدق . إذن : فمقياس الصدق لديه أن يقول رسول الله ؛ لذلك استحق الصِّديق هذا اللقب عن جدارة ، حتى « إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ليقول في حقه : » كنتُ أنا وأبو بكر في الجاهلية كفرسي رهان يعني : في خصال الخير فسبقتُه إلى النبوة فاتبعني ، ولو سبقني لاتبعته « . هذه كلها معانٍ نفهمها من قوله تعالى : { إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ } [ الشعراء : 106 ] . وهذا معنى قوله تعالى : { لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ } [ التوبة : 128 ] فهذه من حكمة الله في الرسل ، وعجيب أن يقول أهل العناد من القوم : نريد ملكاً رسولاً ، وأن يقفوا من رسول الله موقف العداء ، وكان يجب عليهم على الأقل أن يُمكِّنوه من دعوته ، ويُمكِّنوا عقولهم من أنْ تفهم لا أن تدخل في الأمر على هوى سابق . فالذي يتعب الناس في استقبال الحق أن تكون قلوبهم مشغولة بباطل ، والحق لا يجتمع مع الباطل ولا يضمهما محلٌّ واحد ؛ لذلك إذا أردت أن تبحث في مسألة ، فعليك أنْ تُخرِج من قلبك الباطل أولاً ، ثم حكِّم عقلك في الأمر ، واستفتِ قلبك فما سمح به فأدخله . وهذه نراها حتى في الماديات ، فالحيز الواحد لا يسع شيئين أبداً ، يقولون : عدم تداخل ، كما لو ملأت قارورة بالماء مثلاً ، فقبل أن يدخل الماء لا بُدَّ أنْ يخرج الهواء ، فنراه على شكل فقاعات .