محمد متولي الشعراوي

10593

تفسير الشعراوي

وقوله سبحانه { فَهُوَ يَهْدِينِ } [ الشعراء : 78 ] أي : بقانون الصيانة الذي يشبه ( الكتالوج ) الذي يجعله البشر لصناعتهم ؛ ليضمنوا سلامتها وأدائها لمهمتها على أكمل وجه ، ولا بُدَّ أن يحدِّد لها المهمة قبل أنْ يَشرَع في صناعتها ، وهل رأينا آلةَ صنعها صاحبها ، ثم قال لنا : انظروا في أيِّ شيء تستخدم هذه ، ( بوتاجاز ) أو ثلاجة مثلاً ؟ فإذا ما حدث خلل في هذه الآلة ، فعليك بالنظر في هذا ( الكتالوج ) أو أن تذهب بها إلى المهندس المختص بها ؛ لذلك إذا أردتَ أن تأخذ قانون صيانتك ، فلا تأخذه إلا من صانعك وخالقك عَزَّ وَجَلَّ ولا يجوز أن يخلق الله تعالى وتضع أنت لخِلْقة الله قانون صيانتها ، فهذا مِثْل : أن تقول للجزار مثلاً : اعمل لي قانون صيانة ( التلفزيون ) . ثم يذكر بعد ذلك مُقوِّمات استبقاء الحياة ، فيقول : { والذي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } [ الشعراء : 7980 ] . ونقف هنا عند الضمير المنفصل ( هو ) الذي جاء للتوكيد ، والتوكيد لا يأتي ابتداءً ، إنما يكون على درجات الإنكار ، وقد أكّد الحق تبارك وتعالى نسبة الهداية والإطعام والسُّقْيا والشفاء إليه تعالى ؛ لأن هذه المسائل الأربع قد يدعيها غيره تعالى ، وقد يظن البعض أن الطبيب هو الشافي أو أن الأب مثلاً هو الرازق ؛ لأنه الجالب له والمناول . والهداية قد يدّعيها واضعوا القوانين من البشر ، وقد رأينا الشيوعية والرأسمالية والوجودية والبعثية وغيرها ، وكلها تدّعي أنها لصالح البشر ، وأنها طريق هدايتهم ؛ لذلك أكد الله تعالى لنفسه هذه المسألة { الذي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ } [ الشعراء : 78 ] فالهداية لا تكون إلا من الله ، وفي شِرْعته تعالى .