محمد متولي الشعراوي

10534

تفسير الشعراوي

كأن ترى ولدك يُرهق نفسه في المذاكرة ، فتشفق عليه أنْ يُهلك نفسه ، فأنت تعتب عليه لصالحه ، كذلك الحق تبارك وتعالى يعتب على رسوله شفقة وخوفاً عليه أنْ يُهلِك نفسه . ومعنى { بَاخِعٌ } [ الشعراء : 3 ] البخع : الذَّبْح الذي لا يقتصر على قَطْع المرىء والودجين ، إنما يبالغ فيه حتى يفصل الفقرات ، ويخرج النخاع من بينها ، والمعنى : تحزن حزناً عميقاً يستولي على نفسك حتى تهلك ، وهذا يدل على المشقة التي كان يعانيها الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من تكذيب قومه له . وفي موضع آخر ، يقول سبحانه لرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : { فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ } [ فاطر : 8 ] فهذا أمر نهائي واضح ، ونَهْي صريح ، بعد أنْ لفتَ نظره بالإنكار ، فقال : { لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ } [ الشعراء : 3 ] . وقد نبّه الله تعالى رسوله في عِدّة مواضع حتى لا يُحمِّل نفسه فوق طاقتها ، فقال الحق سبحانه وتعالى : { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ وَعَلَيْنَا الحساب } [ الرعد : 40 ] . وقال : { لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ } [ الغاشية : 22 ] . وقال : { وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ } [ ق : 45 ] . فالحق تبارك وتعالى يقول لرسوله : يسِّر على نفسك ، ولا تُكلِّفها تكليفاً شاقّاً مُضْنياً ، والعتاب هنا لصالح الرسول ، لا عليه .