محمد متولي الشعراوي

10535

تفسير الشعراوي

ثم يقول الحق سبحانه : { إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السماء } والآية هنا ليست آيةَ إقناع للعقول ، إنما آية تُرْغمهم وتُخضع رقابهم ، وتُخضع البنية والقالب ، وهذا ليس كلاماً نظرياً يُقال للمكذبين ، إنما حقائق وقعتْ بالفعل في بني إسرائيل . واقرأ إنْ شئت قوله تعالى : { وَإِذ نَتَقْنَا الجبل فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وظنوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَآ ءاتيناكم بِقُوَّةٍ } [ الأعراف : 171 ] . فأخذوا ما آتيناهم بقوة ، لماذا ؟ بالآية التي أرغمتهم وأخضعتْ قوالبهم ، لكن الحق تبارك وتعالى كما قلنا لا يريد بالإيمان أنْ يُخضع القوالب ، إنما يريد أن يُخضع القلوب باليقين والاتباع . فلو شاء ربك لآمن مَنْ في الأرض كلهم جميعاً ، لا يتخلف منهم أحد ، بدليل أنه سبحانه خلق الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ، ويفعلون ما يؤمرون ، وبدليل أنه سبحانه بعث رسلاً وعصمهم ، ولم يجعل للشيطان سبيلاً عليهم ، وبدليل أن الشيطان بعد أن تعهّد أن يُغوي بني آدم ليكونوا معه سواء في المعصية قال له : { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ } [ الحجر : 42 ] . والشيطان نفسه يقول : { قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين } [ ص : 8283 ] . إذن لو أراد سبحانه لجعلَ الناس جميعاً مؤمنين وما عَزَّ عليه ذلك ، لكنه أراد سبحانه أن يكون الإيمان باختيار المؤمن ، فيأتي ربه طواعية مختاراً .