محمد متولي الشعراوي

10510

تفسير الشعراوي

وهكذا جعل الله لنا ميزاناً بين الإسراف والتقتير ؛ ذلك لأن المال قِوَام الحياة ، والذي يُقتِّر يُقتِّر على نفسه وعلى الناس ، فليست له مطلوبات يشتريها ، ويشارك بها في حركة الحياة ، وينتفع بها غيره ، فهذه السلع وهذه الصناعات وهؤلاء العمال ، وأهل الحِرَف من أين يرتزقون إذن وليس هناك استهلاك ورواج لسلعهم ؟ لا شَكَّ أن التقتير يُحدِث كساداً ، ويُحدِث بطالة ، وهما من أشد الأمراض فتكاً بالمجتمع . ولو نظرتَ إلى رغيف العيش ، وهو أبسط ضروريات الحياة ، كم وراءه من عمال وصُنَّاع وزُرَّاع ومهندسين ومطاحن ومخازن ومصانع وأفران ، وهَبْ أنك أحجمت مثلاً عنه ، ماذا يحدث ؟ إذن : ربك يريدك أن تنفق شيئاً ، وتدخر شيئاً يتيح لك تحقيق ارتقاءات حياتك وطموحاتها ؛ لذلك خُتِمَتْ الآية السابقة بقوله تعالى : { فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً } [ الإسراء : 29 ] . ملومَ النفس لما بددتَ من أموال لم ينتفع بها عيالك ، ومحسوراً حينما ترى غيرك ارتقى في حياته وأنت لم تفعل شيئاً . إذن : فالإنسان ملومٌ إنْ أسرف ، محسورٌ إنْ قتّر ، والقوام في التوسُّط بين الأمرين ، وبالحسنة بين السيئتين ، كما قال عمر بن عبد العزيز رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، ولذلك قالوا : خير الأمور الوسط . ثم يقول الحق سبحانه :