محمد متولي الشعراوي
10470
تفسير الشعراوي
فقد أعدَّه الله ليكون مخزن الماء في الكون ومصدر البَخْر الذي تتكون منه الأنهار ؛ لذلك حفظه ، وجعل بينه وبين الماء العذب تعايشاً سِلْمياً ، لا يبغي أحدهما على الآخر رغم تجاورهما . وقوله تعالى : { هذا عَذْبٌ فُرَاتٌ } [ الفرقان : 53 ] أي : مُفرِط في العذوبة مستساغ ، ومن هذه الكلمة سَمَّوْا نهر الفرات لعذوبة مائه ، فلَيس المراد بالفرات أن الماء كماء نهر الفرات ؛ لأن الكلمة وُضِعت أولاً ، ثم سُمِّيَ بها النهر ، ذلك لأن القرآن هو كلام الله الأزلي . { وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ } [ الفرقان : 53 ] أي : شديد الملوحة ، ومع ذلك تعيش فيه الأسماك والحيوانات المائية ، وتتغذى عليه كما تتغذى على الماء العَذْب ، كما قال سبحانه : { وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } [ فاطر : 12 ] . ثم يقول سبحانه : { وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً } [ الفرقان : 53 ] البرزخ : شيء بين شيئين ، وأصل كلمة برزخ : اليابسة التي تفصل بين ماءين ، فإن كان الماء بين يابستين فهو خليج . { وَحِجْراً مَّحْجُوراً } [ الفرقان : 53 ] الحِجْر : هو المانع الذي ينمع العَذْب والمالح أنْ يختلطا ، والحِجْر نفسه محجور ، مبالغة في المنع من اختلاط الماءيْن ، كما جاء في قوله تعالى : { وَإِذَا قَرَأْتَ القرآن جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة حِجَاباً مَّسْتُوراً } [ الإسراء : 45 ] . ومثل قوله تعالى : { ظِلاًّ ظَلِيلاً } [ النساء : 57 ] .