محمد متولي الشعراوي

10289

تفسير الشعراوي

نظر . . إلخ إذن : فالنظر نفسه وهو أوثق شيء لديك قد يكذب عليك . والتسبيح : هو التنزيه ، والتنزيه أن ترتفع بالمنزّه عن مستوى ما يمكن أنْ يجولَ بخاطرك : فالله تعالى له وجود ، وأنت لك وجود ، لكن وجودَ الله ليس كوجودك ، الله له ذاته وصفات ، لكن ليست كذاتك وصفاتك . . إلخ . إذن : نزَّه ذات الله تعالى عن الذوات التي تعرفها ؛ لأنها ذوات وُهِبَتْ الوجود ، أما ذات الله فغير موهوبة ، ذات الله ذاتية ، كذلك لك فِعْل ، ولله تعالى فِعْل . وقد ذكرنا في قوله تعالى : { سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا } [ الإسراء : 1 ] . إن الذين اعترضوا على هذا الفعل اعترضوا بغباء ، فلم يُفرِّقوا بين فِعْل الله وفِعْل العبد ، فرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لم يقل : سريْتُ من مكة إلى بيت المقدس . إنما قال : أُسْرِي بي . فالاعتراض على هذا فيه مغالطة ، فإنْ كنتم تضربون إليها أكباد الإبل شهراً ؛ فذلك لأن سَيْركم خاضع لقدرتكم وإمكاناتكم ، أمّا الله تعالى فيقول للشيء : كُنْ فيكون ، فلا يحتاج في فِعْله سبحانه إلى زمن . فمن الأدب أَلاَّ تقارن فِعْل الله بفعلك ، ومن الأدب أنْ تُنزِّه الله عن كل مَا يخطر لك ببال ، نزَّه الله ذاتاً ، ونزِّهه صفاتاً ، ونزهه أفعالاً . ألا ترى أن ( سبحان ) مصدر للتسبيح ، يدل على أن تنزيه الله ثابت له سبحانه قبل أن يخلق مَنْ ينزهه ، كما جاء في قوله تعالى : { شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ } [ آل عمران : 18 ] فشهد الحق تبارك وتعالى لنفسه قبل أنْ تشهدوا ، وقبل أن تشهد الملائكة ، فهذه هي