محمد متولي الشعراوي

10290

تفسير الشعراوي

شهادة الذات للذات . وقبل أن يخلق الله الإنسان المسبِّح سبَّح لله السماوات والأرض ساعة خلقهما سبحانه وتعالى . وحين تتتبع ألفاظ التسبيح في القرآن الكريم تجدها جاءت مرة بصيغة الماضي { سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض } [ الحديد : 1 ] فهل سبّحَتْ السماوات والأرض مرة واحدة ، فقالت : سبحان الله ثم سكتَتْ عن التسبيح ؟ لا إنما سبَّحَتْ في الماضي ، ولا تزال تُسبِّح في الحاضر : { يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض } [ الجمعة : 1 ] . وما دام أن الكون كله سبَّح لله ، وما يزال يُسبِّح فلم يَبْقَ إلا أنت يا ابن آدم : { سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى } [ الأعلى : 1 ] يعني : استح أن يكون الكون كله مُسبِّحاً وأنت غير مُسبِّح ، فصِلْ أنت تسبيحك بتسبيح كل هذه المخلوقات . وعجيب أن نسمع من يقول أن ( مَنْ ) في الآية للعاقل ، فهو الذي يُسبِّح أمّا السماوات والأرض فلا دخلَ لهما في هذه المسألة ، ونقول : لا دخلَ لها في تصورك أنت ، أمّا الحقيقة فإنها مثلك تُسبِّح كما قال تعالى : { كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ } [ النور : 41 ] . وقال : { وَيُسَبِّحُ الرعد بِحَمْدِهِ والملائكة مِنْ خِيفَتِهِ } [ الرعد : 13 ] فليس لك بعد كلام الله كلام . وآخر يقول لك : التسبيح هنا ليس على الحقيقة ، إنما هون تسبيح دلالة وحال ، لا مقال ، يعني : هذه المخلوقات تدلُّ بحالها على تسبيح الله وتنزيهه ، وأنه واحد لا شريك له ، على حد قول الشاعر : وَفِي كُلِّ شَيء لَهُ آيَةٌ . . . تدُلُّ على أنَّه الوَاحِدُ