محمد متولي الشعراوي

10385

تفسير الشعراوي

إذن : فالجنة التي تراها في الدنيا مهما بلغت فليست هي جنة الخلد ؛ لأنها لا بد إلى زوال ، فعُمرها من عُمْر دُنْياها ، كأنه سبحانه يقول لكل صاحب جنة في الدنيا : لا تغترْ بجنتك ؛ لأنها ستؤول إلى زوال ، وأشدّ الغم لصاحب السرور أنْ يتيقن زواله ، كما قال الشاعر : أَشَدُّ الغَمِّ عِنْدي فِي سُرُورٍ . . . تَيقَّنَ عَنْهُ صَاحِبُه انْتِقَالاَ لذلك يُطمئِن الله تعالى عباده المؤمنين بأن الجنة التي وعدهم بها هي جنة الخلد والبقاء ، حيث لا يفنى نعيمها ، ولا يُنغّص سرورها ، فلذَّاتها دائمة ، لا مقطوعة ولا ممنوعة . وقوله تعالى : { التي وُعِدَ المتقون } [ الفرقان : 15 ] الوعد هنا من الله تعالى الذي يملك كل أسباب الوفاء ، والوَعْد بشارة بخير قبل مجيئه لتستعد لأن تكون من أهله ، ويقابله الإنذار ، وهو التهديد بشرٍّ قبل مجيئه لتتلافاه ، وتجتنب أسباب الوقوع فيه . وكلمة ( مُتَّقٍ ) الأصل فيها مَنْ جعل بينه وبين الشر وقاية ، كما يقول سبحانه : { فاتقوا النار } [ البقرة : 24 ] يعني : اجعلوا بينكم وبينها وقاية . ومن العجيب أن يقول سبحانه : { واتقوا الله } [ البقرة : 194 ] ويقول { فاتقوا النار } [ البقرة : 24 ] والمعنى : اجعلوا بينكم وبين صفات جلاله القهرية وقايةً ؛ لأنكم لا تتحمّلون صفات قَهْره ، والنار جُنْد من جنود الله في صفات جلاله ، فكأنه تعالى قال : اتقوا جنود صفات الجلال من الله . وقوله تعالى : { كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءً } [ الفرقان : 15 ] أي : جزاءً لما قدَّموا ، وهذا المعنى واضح في قوله تعالى : { كُلُواْ واشربوا هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي الأيام الخالية } [ الحاقة : 24 ] فهذا تعليلُ ما هم فيه من النعيم : أنهم كثيراً ما تَعِبُوا ، واضطهدوا وعُذِّبوا ، وجزاء من عُذِّب في ديننا أن نُسعده الآن في الآخرة .