محمد متولي الشعراوي
9650
تفسير الشعراوي
في بناء سدٍّ يمنع عنهم أذى عدوهم ، إنما اجتهد وترقَّى بالمسألة إلى ما هو أفضل لهم ، فالسدُّ الأصمّ المتماسك كقطعة واحدة يسهل هَدْمه أو النفاذ منه ؛ لذلك قال : { فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً } [ الكهف : 95 ] . لقد طلبوا سداً وهو يقول : رَدْماً ، لقد رقّى لهم الفكرة ، وأراد أن يصنع لهم سداً على هيئة خاصة تمتصّ الصدمات ، ولا تؤثر في بنائه ؛ لأنه جعل بين الجانبين رَدْماً كأنه سوسته تُعطِي السدّ نوعاً من المرونة . وهكذا يجب أن يكون المؤمن عند تحمُّل مسؤولية الخَلْق . ولما عرضوا عليه المال نظير عمله أبى ، وقال : { مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ . . } [ الكهف : 95 ] أي : عندي المال الكثير من عطاء الله لكن أعينوني بما لديكم من قوة . إذن : زكاة القوة أنْ تمنع الفساد من الغير . نعود إلى قوله تعالى : { حتى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ . . } [ الأنبياء : 96 ] فلها علاقة بقوله تعالى : { وتقطعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ . . } [ الأنبياء : 93 ] فتقطّع أهل الخير وتفرُّقهم يُجرِّئ عليهم أصحاب الفساد ، وأقل ما يقولونه في حقِّهم أنهم لو كانوا على خير لنفعوا أنفسهم ، فدعُوكم من كلامهم ، وهكذا يفُتُّ أهل الباطل في عَضُدِ أهل الحق ، ويصرفون الناس عنهم . { حتى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ . . } [ الأنبياء : 96 ] يعني : جاءت عناصر الفساد والفتنة في الكون ، وعناصر الفساد والفتنة لا تتمكن ولا تجد الفرصة والسلطة الزمنية إلا إذا غفل أهل الحق وتفرقوا فلم يردوهم ، ويأخذوا على أيديهم .