محمد متولي الشعراوي

9072

تفسير الشعراوي

ونلحظ في قولها : { فَلَنْ أُكَلِّمَ اليوم إِنسِيّاً } [ مريم : 26 ] أن النهي عن الكلام مع البشر خاصة فلم تَقُل : لن أتكلم ، وإلاّ فمعها جبريل عليه السلام يُكلّمها وبينهما تفاهم ، لعلَّه يرى لها مَخْرجاً ، وقد كانت مريم واثقة مطمئنة إلى هذا المخرج ، فإذا كان ربها تبارك وتعالى أمرها بالصوم عن الكلام ، فإنه سينطق الوليد ليتكلم هو ويدافع عن أمه أمام اتهامات القوم . ولما تكلّمنا في قوله تعالى : { فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ أَلاَّ تَحْزَنِي } [ مريم : 24 ] استبعدنا أنْ يكون هذا النداء من جبريل ، وقلنا : إنه نداء الوليد ؛ لذلك اطمأنتْ مريم وعَلِمتْ أنها أمام معجزة عُظْمى ، ووثقتْ تمام الثقة أنها حين تُشير إليه سيتكلم هو ويردُّ عنها الحَرج مع قومها ؛ لأن الكلام ممَّنْ يقدر على الكلام لا يأتي بحجة تُقنِع الناس عن خلاف العادة ، أما حين يتكلم وهو في المهد ، فهذا يعني أنه معجزة خارقة للعادة ، فإذا كان الوليد معجزةً فالمعجزة في أُمِّه من باب أَوْلَى . ثم يقول الحق سبحانه : { فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ } ونعجب للسيدة مريم ، فبدلَ أن تخجل مما حدث وتستتر بوليدها عن أعيُن الناس ، أو تنتقل به إلى مكان آخر في فيافي الأرض إذا بها تحمله ، وتذهب به ، وتبادر به قومها ، وما كانت لتفعل ذلك وتتجرأ عليه إلا لثقتها في الحجة التي معها ، والتي ستوافيها على يد وليدها .