محمد متولي الشعراوي
9071
تفسير الشعراوي
زكريا مع عَطَب الآلات ، وأعطى مريم بنقص الآلات ، ولا يبرر هذه المعجزات ولا يدافع عنها إلا صانعها تبارك وتعالى . وهذه المسألة اعترض عليها بعض الذين يحبون أنْ ينتقموا على القرآن ، فقالوا : كيف يأمرها بالصوم عن الكلام ، وفي نفس الوقت يأمرها أن تقول : نذرت للرحمن صوماً ؟ يجوز أنها قالت هذه العبارة أولاً لأول بشر رأته ليتم بذلك إعلان صومها ، ثم انقطعت عن الكلام ، ويجوز أن يكون المراد بالكلام هنا الإشارة ، والدلالة بالإشارات أقوى الدلالات وأعمّها ، فإن اختلفت اللغات بين البشر لأن كل جماعة تواضعوا على لغة خاصة بهم ، فإن لغة الإشارة تظل لغة عامة يتفق عليها الجميع ، فمثلاً حين تُومىء برأسك هكذا تعني نعم في كل اللغات ، وحين تُشير بإصبعك هكذا تعني لا ، إذن : فالدلالة لغة عالمية وعامّة . وقد تعرَّضَ القرآن الكريم في موضع آخر لهذه المسألة في قوله تعالى : { حتى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً } [ الكهف : 93 ] . أي : لا يقربون من الفهم ، فَهُمْ يفهمون من باب أَوْلى ، ومع ذلك كان بينهم كلام وإشارة ولغة ، وفَهِم كل منهم عن الآخر : { قَالُواْ يا ذا القرنين إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ } [ الكهف : 94 ] .