محمد متولي الشعراوي
9629
تفسير الشعراوي
فلما بشَّره الله بالولد تعجَّب ؛ لأنه نظر إلى مُعْطيات الأسباب ، كيف يرزقه الله الولد ، وقد بلغ من الكِبَر عتياً وامرأته عاقر ، فأراد أن يُؤكّد هذه البُشْرى : { قَالَ رَبِّ أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ امرأتي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكبر عِتِيّاً قَالَ كذلك قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً } [ مريم : 8 - 9 ] . يُطمئنُ الله تعالى نبيَّه زكريا : اطرح الأسباب الكونية للخَلْق ؛ لأن الذي يُبشِّرك هو الخالق . وقد تعلَّم زكريا من كفالته لمريم أن الله يُعطي بالأسباب ، ويعطي إن عزَّتْ الأسباب ، وقد تباري أهل مريم في كفالتها ، وتسابقوا في القيام بهذه الخدمة ؛ لأنهم يعلمون شرفها ومكانتها ؛ لذلك أجروا القرعة على مَنْ يكفلها فأتوا بالأقلام ورموْها في البحر فخرج قلم زكريا ، ففاز بكفالة مريم : { ذلك مِنْ أَنَبَآءِ الغيب نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } [ آل عمران : 44 ] . وإجراء القرعة لأهمية هذه المسألة ، وعِظَم شأنها ، والقرعة إجراء للمسائل على القَدَر ، حتى لا تتدخّل فيها الأهواء . فلما كفَل زكريا مريم كان يُوفِّر لها ما تحتاج إليه ، ويرعى شؤونها ، وفي أحد الأيام دخل عليها ، فوجد عندها طعاماً لم يأْتِ