محمد متولي الشعراوي

9054

تفسير الشعراوي

إذن : فقوله تعالى : { فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا } [ مريم : 17 ] أي : جبريل عليه السلام . { فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً } [ مريم : 17 ] معنى تمثَّل : أي : ليستْ هذه حقيقته ، إنه تمثَّل بها ، أما حقيقته فنورانية ذات صفات أخرى ، وذات أجنحة مَثْنى وثُلاَث ورُبَاع ، فلماذا إذن جاء الملَكُ مريمَ في صورة بشرية ؟ لأنهما سيلتقيان ، ولا يمكن أنْ يتمّ هذا اللقاء خُفْية ، وكذلك يستحيل أنْ يلتقيَ الملَكُ بملكتيه مع البشر ببشريته ، فلكل منهما قانونه الخاص الذي لا يناسب الآخر ، ولابُدَّ في لقائهما أنْ يتصوَّر الملَك في صورة بشر ، أو يُرقَّى البشر إلى صفات الملائكة ، كما رُقي محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلى صفات الملائكة في حادثة الإسراء والمعراج ، ولا يتم الالتقاء بين الجنسين إلا بهذا التقارب . لذلك ، لما طلب الكفار أن يكون الرسول ملَكاً رَدَّ عليهم الحق تبارك وتعالى : { قُل لَوْ كَانَ فِي الأرض ملائكة يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السماء مَلَكاً رَّسُولاً } [ الإسراء : 95 ] . وقال : { وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ } [ الأنعام : 9 ] إذن : لا يمكن أن يلتقي الملَكُ بالبشر إلا بهذا التقارب . جاء جبريل عليه السلام إلى مريم في صورة بشرية لتأنس به ، ولا تفزع إنْ رأتْه على صورته الملائكية { فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً } [ مريم : 17 ] أي : من جنسها { سَوِيّاً } [ مريم : 17 ] . أي : سويّ الخِلْقة والتكوين ، وسيماً ، قد انسجمتْ أعضاؤه وتناسقتْ على أجمل ما يكون البشر ، فلا يعيبه كِبَر جبهته أو أنفه أو فمه ، كما نرى في بعض الناس .