محمد متولي الشعراوي

9055

تفسير الشعراوي

وهذا كله لإيناس مريم وطمأنينتها ، وأيضاً ليثبت أنها العذراء العفيفة ؛ لأنها لما رأت هذا الفتى الوسيم القَسِيم ما أبدتْ له إعجاباً ولا تلطفتْ إليه في الحديث ، ولا نطقتْ بكلمة واحدة يُفهَم منها مَيْل إليه ، بل قالت كما حكى القرآن : { قَالَتْ إني أَعُوذُ بالرحمن } فلم تُظهِر له إعجاباً ، ولا مالتْ إليه بكلمة واحدة ، وهذا دليل على عِفّتها وطهارتها واستقامتها والتزامها . وقولها : { أَعُوذُ } [ مريم : 18 ] أي : ألجأ وأعتصم بالله منك ؛ لأنني أخاف أنْ تفتك بي ، أو تعتدي عليَّ وأنا ضعيفة لا حَوْلَ لي ولا قوة إلا بالله ، فأستعيذ به منك . والمؤمن هو الذي يحترم الاستعاذة بالله ويُقدِّرها ، فإنْ استعذتَ بالله أعاذك ، وإن استجرتَ بالله أجارك . « ولما خطب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ امرأة ، كانت على شيء من الحسن أثار غَيْرة نسائه ، فخشينَ أنْ تغلبهن على قلب رسول الله ، فدبَّرْنَ لها أمراً يبعدها من أمامهن ، فقُلْنَ لها وكانت غِرَّة ساذجة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يحب إذا اقترب منه إنسان أن يقول له : أعوذ بالله منك ، فما كان من المرأة إلا أنْ قالت هكذا لرسول الله عندما دخلت عليه ، فقال لها : » لقد استعذت بمعيذ ، الحقي بأهلك « . فقول مريم : { إني أَعُوذُ بالرحمن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً } [ مريم : 18 ] لأن المؤمن التقيّ هو الذي يخاف الله ، ويحترم الاستعاذة به ، وكأنها