محمد متولي الشعراوي
9607
تفسير الشعراوي
وسبق أن أشرنا إلى أن الذين يقولون في معجزات النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه سبَّح الحصى في يده . أن هذه المقولة غير دقيقة تحتاج إلى تنقيح عقلي ، فالحجر مُسبِّح في يد رسول الله ، وفي يد أبي جهل ، إذن : قل : إن المعجزة هي أن رسول الله سمع تسبيح الحصى في يده . فما من شيء في كون الله إلا وله حياة تناسبه ، وله لغة يُسبِّح الله بها ، أدركناها أم لم ندركها ؛ لأن الكلام فرع وجود حياة ، وكل شيء في الوجود له حياة ، فعلبة الكبريت هذه التي نستعملها يقول العلماء : إن بين ذراتها تفاعلات تكفي لإدارة قطار حول العالم . هذه التفاعلات دليل حركة وحياة . ألم يقُلْ الحق سبحانه وتعالى : { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ . . . } [ القصص : 88 ] . فكلُّ ما يقال له شيء - إلا وَجْه الله - هالك ، والهلاك يعني أن فيه حياةً ؛ لأن الهلاك ضد الحياة ، كما جاء في قوله تعالى : { لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ ويحيى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ . . . } [ الأنفال : 42 ] . فكُلُّ شيء في الوجود له حياة بقانونه ، وليس من الضروري أن تسمع الكلام حتى تعترف بوجوده ، فهناك مثلاً لغة الإشارة ، وهي لغة مفهومة ومُعبِّرة ، أَلاَ ترى مثلاً إلى الخادم ينظر إليه سيده مجرد نظرة يفهم منها ما يريد أنْ يُقدِّمه للضيف مثلاً . البحارة لهم إشارات يتعارفون عليها ويتفاهمون بها . جهاز التلغراف لَوْن من ألوان الأداء ووسيلة من وسائل التفاهم ، إذن : الأداء والبيان ليس من الضروري أنْ يتمّ بالكلام المسموع ، إنما تتفاهم الأجناس ويُكلِّم بعضها بعضاً كلّ بلغته ، فإذا أراد الله أن يفيض عليك من إشراقاته أعطاك من البصيرة والعلم ما تفهم به فقدت غيرك من الأجناس .