محمد متولي الشعراوي

9052

تفسير الشعراوي

الحجاب : هو الساتر الذي يحجب الإنسان عن غيره ويحجب غيره عنه ، فما فائدة أنْ تتخذ بينها وبين أهلها سِتْراً بعد أن ابتعدتْ عنهم ؟ نقول : انتبذتْ من أهلها مكاناً بعيداً ، هذا في المكان ، إنما لا يمنع أنْ يكونَ هناك مكينٌ آخر يسترها حتى لا يطّلع عليها أحد ، فهناك إذن مكان ومكين . والحجاب قد يكون حجاباً مُفْرداً فهو ساتر فقط ، وقد يكون حجاباً مستوراً بحجاب غيره ، فهو حجاب مُركّب ، كما يصنع أهل الترف الآن الستائر من طبقتين ، إحداهما تستر الأخرى ، فيكون الحجاب نفسه مَسْتوراً ، ومن ذلك قوله تعالى : { وَإِذَا قَرَأْتَ القرآن جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة حِجَاباً مَّسْتُوراً } [ الإسراء : 45 ] . وقوله تعالى : { فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا } [ مريم : 17 ] . كلمة الروح في القرآن الكريم لها إطلاقات مُتعدّدة ، أولها الروح التي بها قِوام حياتنا المادية ، فإذا نفخَ الله الروح في المادة دبَّتْ فيها الحياة والحِسّ والحركة ، ودارت كل أجهزة الجسم ، وهذا المعنى في قوله تعالى : { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ } [ الحجر : 29 ] . لكن ، هل هذه الحياة التي تسري في المادة بروح من الله هي الحياة المقصودة من خَلْق الله للخَلْق ؟ قالوا : إنْ كانت هذه الحياة هي المقصودة فما أهونها ؛ لأن الإنسان قد يمرُّ بها ويموت بعد ساعة ، أو بعد يوم ، أو بعد سنة ، أو عدة سنوات . إذن : هي حياة قصيرة حقيرة هيِّنة ، هي أقرب إلى حياة الديدان والهوام ، أما الإنسان الذي كرّمه الله وخلق الكون من أجله فلا بُدَّ أن