محمد متولي الشعراوي
9518
تفسير الشعراوي
وهكذا كان لديهم طرف من العلم عن مسألة الخَلْقِ ؛ لذلك قال الله عنهم : { أَوَلَمْ يَرَ الذين كفروا أَنَّ السماوات والأرض كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا . . . } [ الأنبياء : 30 ] . وقد كان للمستشرقين كلام حول قوله تعالى : { كَانَتَا رَتْقاً } [ الأنبياء : 30 ] قالوا : السماوات جمع ، والأرض كذلك جنس لها جمع ، فالقاعدة تقتضي أنْ نقول : كُنَّ رتقاً بضمير الجمع . وصاحب هذا الاعتراض لم يَدْر أن الله سبحانه وتعالى نظر إلى السماء كنوع والأرض كنوع ، فالمراد هنا السماوةي والأرضية وهما مُثنَّى . وفي القرآن نظائر كثيرة لهذه المسألة ؛ لأن القرآن جاء بالأسلوب العربي المبنيّ على الفِطنة والذكاء ومُرونة الفهم . فخُذْ مثلاً قوله تعالى : { وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا . . . } [ الحجرات : 9 ] . فلم يقُلْ حسْب الظاهر : اقتتلتَا ؛ لأن الطائفة وإنْ كانت مفرداً إلا أنها تحوي جماعة ، والقتال لا يكون بين طائفة وطائفة ، إنما بين أفراد هذه وأفراد هذه ، فالقتال ملحوظ فيه الجمع { اقتتلوا . . . } [ الحجرات : 9 ] فإذا ما جِئْنا للصُّلْح لا يتم بين هؤلاء الأفراد ، وإنما بين ممثَل عن كل طائفة ، فالصُّلْح لا يتم بين هؤلاء الأفراد ، وإنما بين ممثل عن كل طائفة ، فالصُّلْح قائم بين طرفين ؛ لذلك يعود السياق للتثنية . { فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا على الأخرى فَقَاتِلُواْ التي تَبْغِي حتى تفياء إلى أَمْرِ الله فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بالعدل } [ الحجرات : 9 ] . والرَّتْق : الشيء الملتحم الملتصق ، ومعنى { فَفَتَقْنَاهُمَا . . } [ الأنبياء : 30 ] أي : فَصلَنْاهما وأزَحْنَا هذا الالتحام ، وما ذُكِر في التوراة من أن الله تعالى خلق جوهرة ، ثم نظر إليها في هَيْبة ، فحصل لها كذا