محمد متولي الشعراوي

9519

تفسير الشعراوي

وكذا في القرآن له ما يؤيده في قوله تعالى : { ثُمَّ استوى إِلَى السماء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً . . . } [ فصلت : 11 ] . والعلماء ساعةَ يستقبلون الآية الكونية لهم فيها مذاهب اجتهادية مختلفة ؛ لأنها تتعرَّض لحقيقة الكون ، وهذا أمر قابل للخلاف ، فكلُّ واحد منهم يأخذ منه على قَدْر ثقافته وعِلْمه . فالعربي القديم لم يكُنْ يعرف كثيراً عن الظواهر الكونية ، لا يعرف الجاذبية ، ولا يعرف كُروية الأرض ولا حركتها ، فلو أن القرآن تعرَّض لمثل هذه الأمور التي لا يتسع لها مداركه وثقافته فلربما صرفه هذا الكلام الذي لا يفهمه ، ولك أنْ تتصوَّر لو قلتَ له مثلاً : إن الأرض كرة تدور بنا بما عليها من بحار وجبال الخ . والقرآن بالدرجة الأولى كتاب منهج « افعل كذا » و « لا تفعل كذا » لذلك كلُّ ما يتعلق بهذا المنهج جاء واضحاً لا غموض فيه ، أمَّا الأمور الكونية التي تخضع لثقافات البشر وارتقاءاتهم الحضارية فقد جاءت مُجْملةً تنتظر العقول المفكرة التي تكشف عن هذه الظواهر واحدةً بعد الأخرى ، وكأن الحق - تبارك وتعالى - يعطينا مجرد إشارة ، وعلى العقول المتأمّلة أنْ تُكمِلَ هذه المنظومة . وقد كان لعلماء الإسلام موقفان في هذه المسألة ، كلاهما ينطلق من الحب لدين الله ، والغرام بكتابه ، والرغبة الصادقة في إثبات صدْق ما جاء به القرآن من آيات كونية جاء العلم الحديث ليقول بها الآن ، وقد نزل بها القرآن منذ أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان . الموقف الأول : وكان أصحابه مُولعين بأنْ يجدوا لكل اكتشاف جديداً شاهداً من القرآن ليقولوا : إن القرآن سبق إليه وأن محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ صادق في بلاغة عن الله .