محمد متولي الشعراوي
9499
تفسير الشعراوي
وفي المقابل انظر إلى أيِّ شيء للإنسان فيه تدخّل : فمثلاً نحن يكيل بعضنا لبعض ، ويزن بعضنا لبعض ، ويقيس بعضنا لبعض ، ويخبز بعضنا لبعض ، ويبيع بعضنا لبعض . . الخ انظر إلى هذه العلاقات تجدها - إلاّ ما رحم الله - فاسدة مضطربة ، ما لم تَسِرْ على منهج الله ، فإن سارت على منهج الله استقامت كاستقامة السماء والأرض . إذن : كلما رأيتَ شيئاً فاسداً شيئاً قبيحاً فاعلم أن الإنسان وضع أنفه فيه . وكأن الخلق - عَزَّ وَجَلَّ - يقول للإنسان : أنت لستَ أميناً حتى على نفسك ، فقد خلقتُ لك كل هذا الكون ، ولم يشذ منه شيء ، ولا اختلَّتْ فيه ظاهرة ، أمّا أنت - لأنك مختار - فقد أخللْتَ بنفسك وأتعبتها . فاعلم أن المسائل عندي أنا آمَنُ لك ، فإذا أخذتُك من دنيا الأسباب إلى الآخرة وإلى المسبِّب ، فأنا أمين عليك أُنعمك نعيماً لا تعبَ فيه ولا نصبَ ولا شقاء ، وإنْ كنت تخدم نفسك في الدنيا ، فأنا أخدمك في الآخرة ، وأُلبِّي لك رغبتك دون أن تُحرِّك أنت ساكناً . إذن : لو أنني شغلت نفسي بمَنْ يملكني وهو الله تعالى لاستقام لي ما أملكه . فهذا الكون وهذا الإيجاد خلقه الله لخدمة الإنسان ، فلماذا ؟ كأن الحق - سبحانه وتعالى - يقول : لأنِّي يكفيني من خلقي أن يشهدوا مختارين أنه : لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ، وإنْ كانت المخلوقات قد شهدتْ هذه الشهادة مضطرة ، فالعظمة أن يشهد المختار الذي يملك أنْ يشهد أو لا يشهد .