محمد متولي الشعراوي

9436

تفسير الشعراوي

والإعراض : هو الانصراف ، وأن تعطيه عَرْض أكتافك كما ذكرنا من قبل . وقوله : { مَعِيشَةً ضَنكاً } [ طه : 124 ] الضنْك هو الضيق الشديد الذي تحاول أنْ تُفلتَ منه هنا أو هناك فلا تستطيع ، والمعيشة الضَّنْك هذه تأتي مَنْ أعرض عن الله ، لأن مَنْ آمن بإله إنْ عَزَّتْ عليه الأسباب لا تضيق به الحياة أبداً ؛ لأنه يعلم أن له ربّاً يُخرِجه مما هو فيه . أما غير المؤمن فحينما تضيف به الأسباب وتُعجِزه لا يجد مَنْ يلجأ إليه فينتحر . المؤمن يقول : لي ربٌّ يرزقني ويُفرِّج كَرْبي ، كما يقول عَزَّ وَجَلَّ : { الذين آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ الله أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب } [ الرعد : 28 ] . لذلك يقولون : لا كَرْب وأنت رَبٌّ ، وإذا كان الولد لا يحمل هَمّاً في وجود أبيه فله أبٌ يكفيه متاعب الحياة ومشاقها ، فلا يدري بأزمات ولا غلاء أسعار ، ولا يحمل هَمَّ شيء ، فما بالُكَ بمَنْ له رَبٌّ ؟ وسبق أنْ ضربنا مثلاً ولله المثل الأعلى ، قلنا : هَبْ أن معك جنيهاً ثم سقط من جيبك ، أو ضاع منك فسوف تحزن عليه إنْ لم يكُنْ معك غيره ، فإنْ كان معك غيره فلن تحزن عليه ، فإن كان لديك حساب في البنك فكأن شيئاً لم يحدث . وهكذا المؤمن لديه في إيمانه بربه الرصيد الأعلى الذي يُعوِّضه عن كل شيء . والحق تبارك وتعالى أعطانا مثالاً لهذا الرصيد الإيماني في قصة موسى عليه السلام مع فرعون ، حينما حُوصِر موسى وقومه بين البحر من أمامهم وفرعون بجنوده من خلفهم ، وأيقن القوم أنهم مُدْركون ، ماذا قال نبي الله موسى ؟