محمد متولي الشعراوي

9035

تفسير الشعراوي

وإنما أطمعته البُشْرى في أنْ يعرف الكيفية ، كما حدث في قصة موسى عليه السلام حينما كلَّمه ربه واختاره ، وأفرده بهذه الميزة فأغراه الكلام في أنْ يطلب الرؤيا ، فقال : { رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ } [ الأعراف : 143 ] . وكما حدث في قصة إبراهيم عليه السلام لما قال لربه : { رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الموتى } [ البقرة : 260 ] وأبو الأنبياء لا يشكّ في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى ، ولكنه يريد أنْ يعرف هذه الطريقة العجيبة ، فالكلام ليس في الحقيقة وجوداً وعدماً ، إنما في كيفية وجود الحقيقة ، والكلام في الكيفية لا دخْلَ له بالوجود . فأخبره الحق سبحانه أن هذه المسألة لا تُقال إنما تُباشَر عملياً ، فأمره بما نعلم من هذه القصة : وهو أن يحضر أربعة من الطير بنفسه ، ثم يضمهنّ إليه ليتأكد بنفسه من حقيقتها ، ثم أمره أنْ يُقطِّعهن أجزاء ، ثم يُفرِّق هذه الأجزاء على قمم الجبال ، ثم بعد ذلك ترك له الخالق سبحانه أنْ يدْعُوَهُن بنفسه ، وأن يصدر الأمر منه فتتجمع هذه القطع المبعثرة وتدبّ فيها الحياة من جديد ، وهذا من مظاهر عظمته سبحانه وتعالى أنه لم يفعل ، بل جعل مَنْ لا يستطيع ذلك يفعله . ويقدر عليه . فإنْ كان البشر يُعَدُّون أثر قدرتهم إلى الضعفاء ، فمَنْ لا يقدر على حَمْل شيء يأتي بمَنْ يحمله له ، ومَنْ يعجز عن عمل شيء يأتي بمَنْ يقوم به ، ويظل هو ضعيفاً لا يقدر على شيء ، أما الحق سبحانه وتعالى فيُعدِّي قوته بنفسه إلى الضعيف فيصير قوياً قادراً على الفعل .