محمد متولي الشعراوي

9413

تفسير الشعراوي

سبحانه أنْ يُخفِّف عن رسوله هذه المشقة ، وأنْ يُريحه فترة من نزول الوحي ليريحه من ناحية وليُشوِّقه للوحي من ناحية أخرى ، فقال تعالى : { أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ الذي أَنقَضَ ظَهْرَكَ } [ الشرح : 13 ] والوِزْر هو الحِمْل الثقيل الذي كان يحمله رسول الله في نزول الوحي عليه . فلما فتر الوحي عن رسول الله شمتَ به الأعداء ، وقالوا : إن ربَّ محمد قد قلاه . سبحان الله ، أفي الجَفْوة تذكرون أن لمحمد رباً ؟ ألستم القائلين له : كذاب وساحر ؟ والآن أصبح له رب لأنه قلاه ؟ وما فهم الكفار أن فتور الوحي لحكمة عالية ، أرادها ربُّ محمد ، هي أنْ يرتاح نفسياً من مشقة هذه التغيرات الكيماوية في تكوينه ، وأنْ تتجدد طاقته ، ويزداد شوقه للقاء جبريل من جديد ، والشَّوْق إلى الشيء يُهوِّن الصعاب في سبيله . كما يسير المحب إلى حبيبه ، لا تمنعه مشاقّ الطريق . فردَّ الله على الكافر : { والضحى والليل إِذَا سجى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى } [ الضحى : 15 ] . فنفى عن رسوله ما قاله الكفار ، ثم عدَّل عبارتهم : إن ربَّ محمد قد قلاه فقال : { مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى } [ الضحى : 3 ] هكذا بكاف الخطاب ؛ لأن التوديع قد يكون للحبيب . أمَّا في قوله : { وَمَا قلى } [ الضحى : 3 ] فلم يأْتِ هنا بكاف الخطاب حتى مع النفي ، فلم يقُلْ ( وما قلاك ) ؛ لأن النفي مع ضمير المخاطب يُشْعِر بإمكانية حدوث الكُره لرسول الله .