محمد متولي الشعراوي
9411
تفسير الشعراوي
والقرآن كلام في مستوى عَالٍ من البلاغة ، وليس كلاماً مألوفاً له يسهُل عليه حِفْظه ؛ لذلك كان حريصاً على الحِفْظ والتثبيت . وفي آية أخرى يُوضِّح الحق سبحانه هذه المسألة : { لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ } [ القيامة : 1618 ] أي : لما تكتمل الآيات فلكَ أنْ تقرأها كما تحب . وهذه الظاهرة من معجزات النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ، نبي ينزل عليه عدة أرباع من القرآن ، أو السورة كاملة ، ثم حيث يُسري عنه الوحي يعيدها كما أُنزِلتْ عليه ، ولك أن تأتي بأكثر الناس قدرة على الحفظ ، واقرأ عليه المدة عشر دقائق مثلاً من أي كتاب أو أي كلام ، ثم اطلب منه إعادة ما سمع فلن يستطيع . أما النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فكان يأمر الكَتبة بكتابة القرآن ، ثم يمليه عليهم كما سمعه ، لا يُغير منه حرفاً واحداً ، بل ويُملي الآيات في موضعها من السور المختلفة فيقول : « ضعوا هذه في سورة كذا ، وهذه في سورة كذا » . ولو أن السورة نزلت كاملة مرة واحدة لكان الأمر إلى حَدٍّ ما سهلاً ، إنما تنزل الآيات متفرقة ، فإذا ما قرأ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في الصلاة مثلاً قرأ بسورة واحدة نزلتْ آياتها متفرقة ، هذه نزلت اليوم ، وهذه نزلت بالأمس ، وهكذا ، ومع ذلك يقرؤها مُرتَّبة آية آية . وقوله تعالى بعدها : { ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } [ القيامة : 19 ] وخاطب