محمد متولي الشعراوي
9409
تفسير الشعراوي
والذي ذكروه لم يتركوه على حاله بل حرَّفوه . وإنْ قُبِل منهم هذا كله فلا يُقبَل منهم أنْ يفتَرُوا على الله فيُؤلِّفون من عندهم ، ويقولون : { هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله } [ آل عمران : 78 ] . ذلك لأن الحفْظ للمنهج كان موكولاً للبشر تكليفاً ، والتكليف عُرْضَة لأنْ يُطَاع ، ولأن يُعْصَى ، كما قال تعالى : { إِنَّآ أَنزَلْنَا التوراة فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النبيون الذين أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ والربانيون والأحبار بِمَا استحفظوا مِن كِتَابِ الله } [ المائدة : 44 ] . أي : طلب منهم أن يحفظوها بهذا الأمر التكليفي ، فعَصَوْه نسياناً ، وكتماناً ، وتحريفاً ، وزيادة ؛ لذلك تولّى الحق تبارك وتعالى حفْظ القرآن ؛ لأنه الكتاب الخاتم الذي لا استدراكَ عليه ، وضمن سبحانه للقرآن ألاَّ يُحرَّف بأيِّ وجه من أَوْجُه التحريف . فاطمئنوا إلى أن القرآن كتاب الله الذي بين أيديكم هو كلام الله الذي جاء من علمه تعالى في اللوح المحفوظ الذي قال عنه : { فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ المطهرون } [ الواقعة : 7879 ] . ثم نزل به الروح الأمين ، وهو مُؤتَمن عليه لم يتصرَّف فيه ، ثم نزل على قلب سيد المرسلين الذي قال الله عنه : { وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل لأَخَذْنَا مِنْهُ باليمين } [ الحاقة : 4445 ] . إذن : حُفِظ القرآن عِلْماً في اللوح المحفوظ ، وحُفِظ في أمانة مَنْ نزل به من السماء ، وحُفِظ في مَنْ استقبله وهو النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ، فلا حجةَ لنا بعد أن جمع الحق سبحانه وتعالى للقرآن كُلَّ ألوان الحفظ .