محمد متولي الشعراوي

9402

تفسير الشعراوي

قالوا : لأن العرب قديماً كانوا يعتقدون أن لكل شاعر أو خطيب مفوه شيطاناً يمُدُّه ويُوحِي إليه ؛ لذلك أدخل الجن أيضاً في هذا المجال . وقد يقول قائل : وكيف نتحدّى بالقرآن غير العرب وهو بلسان عربي ، فهو حجة على العرب دون غيرهم ؟ نقول : وهل إعجاز القرآن من حيث أسلوبه العربي وأدائه البياني فقط ؟ لا ، فجوانب الإعجاز في القرآن كثيرة لا تختلف فيها اللغات ، فهل تختلف اللغات في التقنين لخير المجتمع ؟ ألم يأْتِ القرآن بمنهج في أمة بدوية أمية يغزو أكبر حضارتين معاصرتين له ، هما حضارة فارس في الشرق ، وحضارة الروم في الغرب ؟ ألم تكُنْ هذه الظاهرة جديرةً بالتأمل والبحث ؟ ثم الكونيات التي تحدَّث القرآن عنها منذ ما يزيد على أربعة عشر قرناً ، وما زال العلم الحديث يكتشفها الآن . إذن : طبيعي أن يأتي القرآن عربياً ؛ لأنه نزل على رسول عربي ، وفي أمة عربية ، والحق سبحانه يقول : { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ } [ إبراهيم : 4 ] . فهم الذين يستقبلون الدعوة ، وينفعلون لها ، ويقتنعون بها ، ثم ينساحون بها في شتَّى بقاع الأرض ، ومن العجيب أنهم بدعوة القرآن أقنعوا الدنيا التي لا تعرف العربية ، أقنعوها بالمبادىء والمناهج التي جاء بها القرآن ؛ لأنها مبادئ ومناهج لا تخلتف عليها اللغات . ثم يقول تعالى : { وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الوعيد } [ طه : 113 ] أي : حينما ينذر القرآن بشيء يُصرف هذا الإنذار على أوجه مختلفة ، ويُكرَّر الإنذار لينبه أهل الغفلة .