محمد متولي الشعراوي

9387

تفسير الشعراوي

وهؤلاء معذورون ، فليست لديهم المَلَكة العربية لفَهْم الأداء القرآني ، وبيان هذه الإشكال أن السؤال يرِدُ في اللغة إمَّا لتعلمَ ما جهلتَ ، وإما لتقرير المجيب بما تعلم أنت ليكون حجة عليه . فالحق سبحانه حين يقول : { وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ } [ الصافات : 24 ] أي : سؤالَ إقرار ، لا سؤالَ استفهام ، فحين ينفي السؤال ينفي سؤال العلم من جهة المتكلم ، وحين يثبت السؤال فهو سؤال التقرير . والحدث مرة يُنفَى ، ومرة يُثبت ، لكن جهة النفي مُنفكَّة عن جهة الإثبات ، فمثلاً الحق سبحانه يقول لرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ } [ الأنفال : 17 ] . فنفى الرمي في الأولى ، وأثبته في الثانية ، والحدث واحد ، المثَبت له والمنفيّ عنه واحد هو محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ . فكيف نخرج من هذا الإشكال ؟ أرمَى الرسول أم لم يَرْمِ ؟ ولتوضيح هذه المسألة ضربنا مثلاً بالأب الذي جلس بجوار ولده كي يذاكر دروسه ، فأخذ الولد يذاكر ، ويُقلِّب صفحات الكتاب ، وحين أراد الأب اختبار مدى ما حصَّل من معلومات لم يجد عنده شيئاً ، فقال للولد : ذاكرت وما ذاكرت . ذاكرت يعني : فعلت فِعْل المذاكر ، وما ذاكرت لأنك لم تُحصِّل شيئاً . فرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حينما رمى ، أيمكنه أنْ يُوصل هذه الرمية إلى أعين الجيش كله ؟ إذن : فرسول الله أخذ قبضة من التراب ورمى بها ناحية الجيش ، إنما قدرة الله هي التي أوصلتْ حفنة التراب هذه وذَرَّتْها في أعيُنِ الأعداء جميعاً .