محمد متولي الشعراوي
9337
تفسير الشعراوي
كان هذا الوحي لموسى عليه السلام بعد أنِ انتهت المعركة ، وانتصر فيها معسكر الإيمان ، أما فرعون فقد خسر سلاحاً من أهمِّ أسلحته وجانباً كبيراً من سَطْوته وجبروته . وهنا جمع موسى بني إسرائيل ، وهم بقايا ذرية آل يعقوب ليذهب بهم إلى أرض الميعاد ، وسرعان ما أعدَّ فرعون جيشه وجمع جموعه ، وسار خلفهم يتبعهم إلى ساحل البحر ، فإذا بموسى وقومه مُحَاصرين : البحر من أمامهم ، وفرعون بجيشه من خلفهم ، وليس لهم مَخْرج من هذا المأزق . هذا حُكْم القضايا البشرية المنعزلة عن ربِّ البشر ، أما في نظر المؤمن فلها حَلٌّ ؛ لأن قضاياه ليست بمعزل عن ربه وخالقه ؛ لأنه مؤمن حين تصيبه مصيبة ، أو يمسه مكروه ينظر فإذا ربُّه يرعاه ، فيلجأ إليه ، ويرتاح في كَنَفِه . لذلك يقولون : لا كَرْبَ وأنت ربٌّ ، وما دام لي رب ألجأ إليه فليست هناك معضلة ، المعضلة فيمن ليس له رَبٌّ يلجأ إليه . وقد ضربنا لذلك مثلاً ولله المثل الأعلى لو أن إنساناً معه في جيبه جنيه ، فسقط منه في الطريق ، فإذا لم يكُنْ عنده غيره يحزن أمّا إنْ كان لديه مال آخر فسوف يجد فيه عِوَضاً عَمَّا ضاع منه ، هذا الرصيد الذي تحتفظ به هو إيمانك بالله . وهنا جاء الأمر من الله تعالى لموسى عليه السلام ليُخرجه وقومه من هذا المأزق : { أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فاضرب لَهُمْ طَرِيقاً فِي البحر يَبَساً } [ طه : 77 ] . أَسْرِ : من الإسراء ليلاً . أي : السير ؛ لأنه أستر للسائر .