محمد متولي الشعراوي

9336

تفسير الشعراوي

وتلحظ أنه لم يَضِنّ عليك بصفة الخَلْق ؛ لأنك استعملتَ الأسباب وأَعلمتَ الفكر ، فكان لك شيء من الخلق ، لكن ربَّك أحسنُ الخالقين ؛ لأنك خلقتَ من باطن خِلْقته ، خلقتَ من موجود ، وهو سبحانه يخلق من عدم ، خلقتَ شيئاً جامداً لا حياة فيه ، وخلق سبحانه شيئاً نامياً ، يتكاثر بذاته . ومن هنا سُمِّي المال الذي تُخرجه للفقراء زكاةً ؛ لأنه يُطهِّر الباقي ويُنمِّيه . ومن العجائب أن الله تعالى سَمّى ما يخرج من المال زكاة ونماءً ، وسَمَّى زيادة الربا مَحْقاً . فمعنى : { وذلك جَزَآءُ مَن تزكى } [ طه : 76 ] أي : تطهَّر من المعاصي ، ثم نَمَّى نفسه ، ومعنى التنمية هنا ارتقاءات المؤمن في درجات الوصول للحق ، فهو مؤمن بداية ، لكن يزيد إيمانه وينمو ويرتقي يوماً بعد يوم ، وكلما ازداد إيمانه ازداد قُرْبه من ربه ، وازدادت فيوضات الله عليه . والطهارة للأشياء سابقة على تنميتها ؛ لأن دَرْء المفسدة مُقدَّم على جلب المصلحة . إذن : زكَّى نفسه : طهَّرها أولاً ، ثم يُنمِّيها ثانياً ، كمَنْ يريد التجارة ، فعليه أولاً أن يأتي برأس المال الطاهر من حلال ثم يُنمِّيه ، لكن لا تأتي برأس المال مُدنّساً ثم تُنمِّيه بما فيه من دَنَسٍ . وكلما نَمَّى الإنسانُ إيمانَهُ ارتقى في درجاته ، فكانت له الدرجات العُلاَ في الآخرة .