محمد متولي الشعراوي
9023
تفسير الشعراوي
ووَصْف النداء هنا بأنه : { نِدَآءً خَفِيّاً } [ مريم : 3 ] لأنه ليس كنداء الخَلْق للخَلْق ، يحتاج إلى رَفْع الصوت حتى يسمع ، إنه نداء لله تبارك وتعالى الذي يستوي عنده السر والجهر ، وهو القائل : { وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجهروا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } [ الملك : 13 ] . ومن أدب الدعاء أنْ ندعوَه سبحانه كما أمرنا : { ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً } [ الأعراف : 55 ] . وهو سبحانه { يَعْلَمُ السر وَأَخْفَى } [ طه : 7 ] أي : وما هو أَخْفى من السر ؛ لأنه سبحانه قبل أن يكون سِرّاً ، علم أنه سيكون سراً . لذلك ، جعل الحق سبحانه أحسن الدعاء الدعاء الخفي ؛ لأن الإنسان قد يدعو ربه بشيء ، إنْ سمعه غيره ربما استنقصه ، فجعل الدعاء خَفياً بين العبد وربه حتى لا يُفتضحَ أمره عند الناس . أما الحق سبحانه فهو ستَّار يحب الستر حتى على العاصين ، وكذلك ليدعو العبد رَبَّه بما يستحي أنْ يذكره أمام الناس ، وليكون طليقاً في الدعاء فيدعو ربه بما يشاء ؛ لأنه ربُّه ووليه الذي يفزع إليه . وإنْ كان الناس سيحزنون ويتضجرون إن سألتهم أدنى شئ ، فإن الله تعالى يفرح بك أن سألته . لكن لماذا أخفي زكريا دعاءه ؟ دعا زكريا ربه أنْ يرزقه الولد ، ولكن كيف يتحقق هذا المطلب وقد بلغ من الكبر عتياً وامرأته عاقر ؟ فكأن الأسباب الموجودة جميعها مُعطَّلة عنده ؛ لذلك توجه إلى الله بالدعاء : يا رب لا ملجأ لي إلا أنت فأنت وحدك القادر على خَرْق الناموس والقانون ، وهذا مطلب من زكريا جاء في غير وقته .