محمد متولي الشعراوي

9024

تفسير الشعراوي

أخفاه أيضا ؛ لأنه طلب الولد في وجود أبناء عمومته الذين سيحملون منهجه من بعده ، إلاّ أنه لم يأتمنهم على منهج الله ؛ لأن ظاهر حركتهم في الحياة غير متسقة مع المنهج ، فكيف يأمنهم على منهج الله وهم غير مؤتمنين على أنفسهم ؟ فإذا دعا زكريا ربه أنْ يرزقه الولد ليرث النبوة من بعده ، فسوف يغضب هؤلاء من دعاء زكريا ويعادونه ؛ لذلك جاء دعاؤه خفياً يُسِرُّه بينه وبين ربه تعالى . سؤال آخر تنبغي الإجابة عليه هنا : لماذا يطلب زكريا الولد في هذه السن المتأخرة ، وبعد أن بلغ من الكبر عتياً ، وأصبحت امرأته عاقراً ؟ لقد أوضح زكريا عليه السلام العلة في ذلك في الآيات القادمة فقال : { يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ } [ مريم : 6 ] . إذن : فالعِلَّة في طلب الولد دينية مَحْضة ، لا يطلبه لمغْنَم دنيوي ، إنما شغفه بالولد أنه لم يأمن القوم من بعده على منهج الله وحمايته من الإفساد . لذلك قوله : ( يرثني ) هنا لا يفهم منه ميراث المال كما يتصوره البعض ؛ لأن الأنبياء لا يورثون ، كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ « نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة » وبذلك يخرج النبي من الدنيا دون أن ينتفع أحد من أقاربه بماله حتى الفقراء منهم . فالمسألة مع الأنبياء خالصة كلها لوجه الله تعالى ؛ لذلك قال بعدها : { وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ } [ مريم : 6 ] أي : النبوة التي