محمد متولي الشعراوي

9289

تفسير الشعراوي

فهذه المسألة ليست من اختصاصي ؛ لأن الذي يُسأل عن القرون الأولى هو الذي يُجازيها ، وينبغي أنْ يعلم حالها ، وما هي عليه من الإيمان أو الكفر ؛ لِيُجازيها على ذلك ، إذن : هذا سؤال لا موضعَ له ، إنه مجرد هَزْل ومهاترة وهروب ، فلا يعلم حال القرون الأولى إلا الله ؛ لأن سبحانه هو الذي سَيُجازيها . ومعنى { فِي كِتَابٍ } [ طه : 52 ] أي : سجّلها في كتاب ، يطلع عليه الملائكة المدبرات أمراً ؛ ليمارسوا مهمتهم التي جعهلم الله لها ، وليس المقصود من الكتاب أن الله يطّلع عليه ويعلم ما فيه ؛ لأنه سبحانه { لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى } [ طه : 52 ] . ثم أرجعه موسى إلى القضية الأولى قضية الخلق ، ولكن بصورة تفصيلية : { الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً } مَهْداً : من التمهيد وتوطئة الشيء ليكون صالحاً لمهمته ، كما تفعل في فراشك قبل أن تنام ، ومن ذلك يسمى فراش الطفل مَهْداً ؛ لأنك تُمهِّده له وتُسوّيه ، وتزيل عنه ما يقلقه أو يزعجه ليستقر في مَهْده ويستريح . ولا بُدَّ لك أنْ تقوم له بهذه المهمة ؛ لأنه يعيش بغريزتك أنت ، إلا أن تتنبه غرائزه لمثل هذه الأمور ، فيقوم بها بنفسه ؛ لذلك لزمك في هذه الفترة رعايته وتربيته والعناية به . فمعنى { جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً } [ طه : 53 ] أي : سوَّاها ومهَّدها لتكون صالحة لحياتكم ومعيشتكم عليها .