محمد متولي الشعراوي

9143

تفسير الشعراوي

ثم أراد الحق سبحانه وتعالى أن يجعل الوحي يفتر عن رسوله ليرتاح من تعبه ومشقته ، فإذا ما ارتاح وذهب عنه التعب بقيتْ له حلاوة ما نزل من الوحي ، فيتشوق إليه من جديد ، كما يشتاق الإنسان لمكانٍ يحبه دونه الأشواك ومصاعب الطريق ، فالحب للشيء يحدث علمية كالتخدير ، فلا تشعر في سبيله بالتعب . وقلنا : لما فتر الوحي عن رسول الله شمت فيه الكفار وقالوا : إن رَبَّ محمد قد قلاه يعني : أبغضه وتركه . وهذا القول دليل على غبائهم وحماقتهم ، كيف وقد كانوا بالأمس يقولون عنه : ساحر وكذاب ؟ ففي البغض يتذكرون أنه له رباً منع عنه الوحي ، وحين دعاهم إلى الإيمان بهذا الرب قالوا : من أين جاء بهذا الكلام ؟ لذلك ، فالحق تبارك وتعالى يخاطب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قائلاً : { أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ الذي أَنقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } [ الشرح : 14 ] إذن : كانت مسألة الوحي شاقة على رسول الله . فأراد الحق سبحانه أن يعطي هؤلاء درساً من خلال درس كونيّ مشاهد يشهد به المؤمن والكافر ، هذا الأمر الكونيّ هو الزمن ، وهو ينقسم إلى ليل ونهار ، ولكل منهما مهمته التي خلقه الله من أجلها ، كما قال سبحانه : { والليل إِذَا يغشى والنهار إِذَا تجلى } [ الليل : 12 ] . فإياك أنْ تُغيّر مهمة الليل إلى النهار ، أو مهمة النهار إلى الليل . ثم يرد عليهم قائلاً : { والضحى والليل إِذَا سجى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى } [ الضحى : 14 ] .