محمد متولي الشعراوي
9100
تفسير الشعراوي
ثم يستطرد إبراهيم قائلاً : { إِنَّ الشيطان كَانَ للرحمن عَصِيّاً } [ مريم : 44 ] عصياً : مبالغة في العصيان ، فالشيطان ليس عاصياً ، بل عَصِياً يعصي أوامر الله بلَدَدٍ وعناد . ثم يقول : { يا أبت إني أَخَافُ } ما زال خليل الله يتلطف في دعوة أبيه فيقول : { يَمَسَّكَ عَذَابٌ } [ مريم : 45 ] ولم يقُلْ مثلاً : يصيبك . فهو لا يريد أنْ يصدمه بهذه الحقيقة ، والمسُّ : هو الالتصاق الخفيف ، وكأنه يقول له : إن أمرك يُهمني ، وأخاف عليك مجرد هبو التراب أن ينالك . وهذا منتهى الشفقة عليه والحرص على نجاته . ثم يقول : { فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً } [ مريم : 45 ] أي : قريباً منه ، وتابعاً له يصيبك من العذاب مَا يصيبه ، وتُعذّب كما يُعذّب . وهكذا انتهتْ هذه المحاورة التي احتوتْ أربعة نداءات حانية ، وجاءت نموذجاً فريداً للدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ؛ فراعتْ مشاعر الأب الذي يدعوه ولده ويُقدِّم له النُّصْح ، ورتبت الأمور ترتيباً طبيعياً ، وسَلْسَلَتْها تسلْسُلاً لطيفاً لا يثير حفيظة السامع ولا يصدمه . وقد راعى الحق تبارك وتعالى جوانب النفس البشرية فأمر أنْ تكونَ الدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة حتى لا تجمع على المدعو قسوة الدعوة ، وقسوة أنْ يترك ما أَلِف ، ويخرج منه إلى ما لم يألف .