محمد متولي الشعراوي

9101

تفسير الشعراوي

فأنت حين تدعو شخصاً إلى الله فإنما تُخرِجه عن الفساد الذي أَلِفه ، وهو لم يألف الفساد إلا بعد أن اشتهاه أولاً ، ثم اعتاده بالفعل والممارسة ثانياً ، وهاتان مصيبتان آخذتان بزمامه ، فما أحوجه لأسلوب لَيِّن يستميل مشاعره ويعطفه نحوك فيستجيب لك . وما أشبه الداعية في هذا الموقف بالذي يحتال ليخلص الثوب الحرير من الأشواك ، أما إنْ نهرته وقسوْتَ عليه فسوف يُعرض عنك وينصرف عن دعوتك ، ويظلّ على ما هو عليه من الفساد ؛ لذلك قال تعالى : { ادع إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة وَجَادِلْهُم بالتي هِيَ أَحْسَنُ } [ النحل : 125 ] . ويقولون : النصح ثقيل فلا تُرسِلْه جبلاً ، ولا تجعله جدلاً ، وقالوا : الحقائق مُرّة فاستعيروا لها خِفّة البيان . وبعد أنْ أنهى إبراهيم مقالته يرد الأب قائلاً : { قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي } الفعل ( رغب ) يحمل المعنى وضده حَسْب حرف الجر بعده ، نقول : رغب في كذا . أي : أحبه وذهب إليه ، ورَغب عن كذا أي : كرهه واعتزله ، فمعنى { أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يا إبراهيم } [ إبراهيم : 46 ] أي : تاركها إلى غيرها ، كما جاء في قوله تعالى : { وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ } [ البقرة : 130 ] أي : تركها إلى مِلَّة أخرى . ونلاحظ أن الفعل رَغِب لم يأْتِ مقترناً بعده بفي إلا مرة واحدة ،