محمد متولي الشعراوي
9098
تفسير الشعراوي
ثم يقول : { يا أبت إِنِّي قَدْ جَآءَنِي } يُكرِّر نبي الله إبراهيم هذا النداء الحنون مرة أخرى ، وكأنه يريد أنْ يثير في أبيه غريزة الحنان ، ويُوقِظ عنده أواصر الرحم ، كأنه يقول له : إن كلامي معك كلام الابن لأبيه ، كما نفعل نحن الآن إنْ أراد أحدنا أنْ يُحنّن إليه قلب أبيه يقول : يا والدي كذا وكذا . . يا أبي اسمع لي . وكذلك حال إبراهيم عليه السلام حيث نادى أباه هذا النداء في هذه الآيات أربع مرات متتاليات ، وما ذلك إلا لحرصه على هدايته ، والأخْذ بيده إلى الطريق المستقيم . وقوله : { إِنِّي قَدْ جَآءَنِي مِنَ العلم مَا لَمْ يَأْتِكَ } [ مريم : 43 ] أي : لا تظن يا أبي أنِّي متعالم عليك ، أو أَنِّي أفضل ، أو أذكى منك ، فهذا الكلام ليس من عندي ، بل من أعلى مني ومنك ، فلا غضاضةَ في سماعه والانصياع له ، وهو رسالة كُلِّفْتُ بإبلاغك إياها ، وهذا الذي جاءني من العلم لم يأتِكَ أنت ، وهذا اعتذار رقيق من خليل الله ، فالمسألة ليستْ ذاتية بين ولد وعمه ، أو ولد وأبيه ، إنها مسألة عامة تعدَّتْ حدود الأُبُوة والعمومة . ولذلك لما تحدَّثْنا في سورة الكهف عن قصة موسى والخضر عليهما السلام ، قلنا : إن العبد الصالح التمس لموسى عُذْراً ؛ لأنه تصرَّف بناءً على علم عنده ، ليس عند موسى مثله ، فقال له : { وَكَيْفَ تَصْبِرُ على مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً } [ الكهف : 68 ] وكذلك قال إبراهيم لأبيه حتى لا تأخذه العِزّة ، ويأنف من الاستماع لولده .