محمد متولي الشعراوي

9095

تفسير الشعراوي

فكأن الإحسان له مقاييس معروفة حتى عند غير المحسن ، فلما تعرَّضوا لأمر يُهمهم لم يلجئوا إلا لهذا الرجل الطيب ، فمقاييس الكمال محترمة ومعتبرة حتى عند فاقد الكمال . فلما قالوا له { إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين } [ يوسف : 36 ] علم أنهم متتبعون حركاته وتصرفاته ، وكيف سلوكه بينهم ، فأراد أنْ يزيدهم مما عنده من إشراقات ، فأمْره ليس مجرد سلوك طيب وسيرة حسنة بينهم ، بل عنده أشياء أخرى ، فقال : { لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا } [ يوسف : 37 ] . ثم ترك الإجابة عن سؤالهم ، وأخذ في الحديث فيما يخصّه كنبيّ وداعية إلى الله ، فأخبرهم أن ما عنده من مواهب هو عطاء من الله ، وليس هو بأذكى منهم ، فقال : { ذلكما مِمَّا عَلَّمَنِي ربي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بالله وَهُمْ بالآخرة هُمْ كَافِرُونَ واتبعت مِلَّةَ آبآئي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ } [ يوسف : 3738 ] . ثم يلفت نظر رفاقه إلى بطلان ما هم عليه من عبادة أرباب متفرقين لم ينفعوهم بشيء ، فهاهم يتركونهم ويلجئون إلى يوسف الذي له رَبٌّ واحد : { يا صاحبي السجنءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ الله الواحد القهار } [ يوسف : 39 ] . وهكذا كان يوسف النبي الداعية حريصاً على نَشْر دعوته وهداية مَنْ حوله ، حتى وهو في سجنه ما نسِيَ مهمته ، وما قصَّر في دعوته ، فلما فرغ من موعظته واستطاع بلباقة أنْ يُسمعِهم ما يريد ، وإلاّ لو أجابهم عن سؤالهم من بداية الأمر لانصرفوا عن هذه الموعظة ، وما أعاروها اهتماماً . والآن يعود إلى سؤالهم وتفسير رؤياهم : { أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي