محمد متولي الشعراوي
8359
تفسير الشعراوي
وقوله : { وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً } [ الإسراء : 5 ] أي : وَعْد صدق لابد أن يتحقق ؛ لأنه وعد من قادر على الإنفاذ ، ولا توجد قوة تحول بينه وبين إنفاذ ما وعد به ، وإياك أن تظن أنه كأي وَعْد يمكن أنْ يَفِي به صاحبه أو لا يفي به ؛ لأن الإنسان إذا وعد وَعْداً : سألقاك غداً مثلاً . فهذا الوعد يحتاج في تحقيقه أن يكون لك قدرة على بقاء طاقة الإنفاذ ، لكن قد يطرأ عليك من العوارض ما يحول بينك وبين إنفاذ ما وعدت به ، إنما إذا كان الوعد ممَّنْ يقدر على الإنفاذ ، ولا تجري عليه مِثْل هذه العوارض ، فوعْدُه مُتَحقِّق النفاذ . فإذا قال قائل : الوعد لا تُقال إلا في الخير ، فكيف سمَىَّ القرآن هذه الأحداث : { بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ . . } [ الإسراء : 5 ] قالوا : الوعيد يُطلَق على الشر ، والوعد يُطلَق على الخير وعلى الشر ، ذلك لأن الشيء قد يكون شراً في ظاهره ، وهو خير في باطنه ، وفي هذا الموقف الذي نحن بصدده ، إذا أراد الحق سبحانه أنْ يُؤدِّبَ هؤلاء الذين انحرفوا عن منهجه ، فقد نرى أن هذا شر في ظاهره ، لكنه في الحقيقة خير بالنسبة لهم ، إنْ حاولوا هم الاستفادة منه . ونضرب لذلك مثلاً بالولد الذي يعاقبه والده على إهماله أو تقصيره ، فيقسو عليه حِرْصاً على ما يُصلحه ، وصدق الشاعر حين قال : فَقَسَا لِيزْدَجِرُوا وَمَنْ يَكُ حَازِماً . . . فَلْيَقْسُ أَحْيَاناً على مَنْ يَرْحَمُ