محمد متولي الشعراوي

8360

تفسير الشعراوي

ثم يقول الحق سبحانه : { ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكرة عَلَيْهِمْ وأمددناكم بأموال وبنين وجعلنكم أكثر نفيرا ( 6 ) . . . } الخطاب في هذه الآية مُوجَّه لبني إسرائيل ، والآية تمثل نقطة تحوُّل وانقلاب للأوضاع ، فبعد أن تحدثنا عنه من غلبة المسلمين ، وأن الله سلّطهم لتأديب بني إسرائيل ، نرى هنا أن هذا الوضع لم يستمر ؛ لأن المسلمين تخلَّوْا عن منهج الله الذي ارتفعوا به ، وتَنصَّلوا من كَوْنهم عباداً لله ، فدارت عليهم الدائرة ، وتسلّط عليهم اليهود ، وتبادلوا الدور معهم ؛ لأن اليهود أفاقوا لأنفسهم بعد أن أدبهم رسول الله والمسلمون في المدينة ، فأخذوا ينظرون في حالهم وما وقعوا فيه من مخالفات . ولا بُدّ أنه قد حدث منهم شبه استقامة على منهج الله ، أو على الأقل حدث من المسلمين انصراف عن المنهج وتنكُّب للطريق المستقيم ، فانحلَّتْ الأمور الإيمانية في نفوس المسلمين ، وانقسموا دُوَلاً ، لكل منها جغرافياً ، ولكل منها نظام حاكم ينتسب إلى الإسلام ، فانحلّتْ عنهم صِفَة عباد الله . فبعد قوتهم واستقامتهم على منهج الله ، وبعد أن استحقوا أن يكونوا عباداً لله بحق تراجعت كِفتهم وتخلَّوْا عن منهج ربهم ، وتحاكموا إلى قوانين وضعية ، فسلَّط عليهم عدوهم ليؤدّبهم ، فأصبحتْ الغلبة لليهود ؛ لذلك يقول تعالى : { ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكرة عَلَيْهِمْ . . } [ الإسراء : 6 ]