محمد متولي الشعراوي

3234

تفسير الشعراوي

ويقول الحق من بعد ذلك : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 55 ] إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ( 55 ) وحين نهانا الحق عن أن نتخذ اليهود والنصارى أولياء فعلينا أن نأخذ بالقياس أن النهى إنما يشمل كل خصوم ديننا ، فلا نتخذ أيّا من أعداء الدين وليّا لنا ؛ لأنه سبحانه وتعالى لم يتركنا بغير ولاية ، وهو وليّنا وكذلك الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم والذين آمنوا . إذا أردنا المقارنة بين ولاية اللّه وولاية أعداء اللّه فلنعرف أن كل عدو للّه له قدرة محدودة لأنه من البشر . أما ولاية اللّه لنا فلها مطلق القدرة . وأي عدو له قد يتظاهر لنا بالولاية نفاقا . أما ولاية اللّه لنا فلا نفاق فيها لأنه لا قوة أعلى منه . وإن كان الحق قد منعنا أن نتخذ من أعدائه أولياء فذلك ليحررنا من الولاية المحدودة ليعطينا الولاية التي لا تتغير وهي ولايته سبحانه وتعالى : « إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا » وهكذا يكون التعويض في الولاية أكبر من كل تصور . وساعة نرى « إنما » فلنعرف أن هناك ما نسميه « القصر » أو « الحصر » . مثال ذلك نقول : « إنما الكريم زيد » : كأن القائل قد استقرأ آراء الناس ولم يجد كريما إلا زيدا ، وكأنه يقول : « زيد كريم وغير زيد ليس بكريم » واختصر الجملتين في جملة واحدة بقوله : « إنما الكريم زيد » وأثبت بهذا القول الكرم لزيد ونفاه عن غيره . أما إن قال القائل : « زيد كريم » فهذا القول لا يمنع أن يكون غيره من الكرماء . إن الحق سبحانه يحصر الولاية في قوله : « إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا » وهو قد نهانا من قبل عن ولاية أهل الكتاب ، وعن ولاية كل من لا توجد عنده مودة أو محبة تعين المؤمن على مهمته الإيمانية . فلو كان عند أحد من أهل الكتاب أو الملاحدة محبّة ومودّة تعين المؤمن على أداء مهمته لما بقي هذا الإنسان على منهجه